الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

199

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

عن إراقة النجاسة في الطرق . وذكر ابن الفرس عن ابن لبابة أنّه أقام قولا بطهارة عين الخمر من المذهب . وأقول : الذي يقتضيه النظر أنّ الخمر ليست نجس العين ، وأنّ مساق الآية بعيد عن قصد نجاسة عينها ، إنّما القصد أنّها رجس معنوي ، ولذلك وصفه بأنّه من عمل الشيطان ، وبيّنه بعد بقوله : إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ ، ولأنّ النجاسة تعتمد الخباثة والقذارة وليست الخمر كذلك ، وإنّما تنزّه السلف عن مقاربتها لتقرير كراهيتها في النفوس . وجملة إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ بيان لكونها من عمل الشيطان . ومعنى يريد يحبّ وقد تقدّم بيان كون الإرادة بمعنى المحبّة عند قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ في سورة النساء [ 44 ] . وتقدّم الكلام على العداوة والبغضاء عند قوله تعالى : وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ في هذه السورة [ 64 ] . وقوله : فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ أي في تعاطيهما ، على متعارف إضافة الأحكام إلى الذوات ، أي بما يحدث في شرب الخمر من إثارة الخصومات والإقدام على الجرائم ، وما يقع في الميسر من التحاسد على القامر ، والغيظ والحسرة للخاسر ، وما ينشأ عن ذلك من التشاتم والسباب والضرب . على أنّ مجرّد حدوث العداوة والبغضاء بين المسلمين مفسدة عظيمة ، لأنّ اللّه أراد أن يكون المؤمنون إخوة إذ لا يستقيم أمر أمّة بين أفرادها البغضاء . و في الحديث : « لا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد اللّه إخوانا » . و ( في ) من قوله فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ للسببية أو الظرفية المجازية ، أي في مجالس تعاطيهما . وأمّا الصدّ عن ذكر اللّه وعن الصلاة فلما في الخمر من غيبوبة العقل ، وما في الميسر من استفراغ الوقت في المعاودة لتطلّب الربح . وهذه أربع علل كلّ واحدة منها تقتضي التحريم ، فلا جرم أن كان اجتماعها مقتضيا تغليظ التحريم . ويلحق بالخمر كلّ ما اشتمل على صفتها من إلقاء العداوة والبغضاء والصدّ عن ذكر اللّه وعن الصلاة . ويلحق بالميسر كلّ ما شاركه في إلقاء العداوة والبغضاء والصدّ عن ذكر اللّه وعن الصلاة ، وذلك أنواع القمار كلّها أمّا ما كان من اللهو بدون قمار كالشطرنج دون قمار ، فذلك دون الميسر ، لأنّه يندر أن يصدّ عن ذكر اللّه وعن الصلاة ،